خاص| تنمر تحت السن.. حينما يتحول الصغار إلى «ملائكة لا ترحم»
الجمعة، 06 فبراير 2026 - 04:21 م
مروة العدوي
يستيقظ بضربات قلب متسارعة، يرتدي قميصه المدرسي وكأنه يرتدي درعاً لمواجهة حرب؛ فلا شيء يكسر الروح مثل "وحش التنمر" الذي ينتظره خلف أسوار الفصل. داخل حقيبته، لا يحمل الكتب فقط، بل يحمل خوفاً مرعباً من مقررات المدرسة، ومن ضحكة خبيثة تترصده، ومن هاتف قد يتحول في لحظة لسكين يذبح كرامته بصورة أو تعليق.
نحن أمام جحيم يومي وثقته اليونيسف والمجلس القومي للطفولة والأمومة بنسبة صادمة، حيث أكدت التقارير أن 70% من الأطفال يتعرضون للتنمر.
هذا التحقيق يفتح الملف المسكوت عنه، حيث يتحول التنمر المدرسي من "هزار عيال" إلى "مقصلة" تذبح أحلام الطفولة بصمت، وسط تستر إداري مخيف.
◄ المدرسة ساحة تعذيب نفسي
في واحدة من أرقى المدارس الدولية بالقاهرة، لم تشفع المصروفات الفلكية حفظ كرامة الطفل «م. ح».
بدأت الحكاية بـ تنمر مادي من زملائه حول حقيبته وهاتفه، تطور الأمر من الهمس إلى العزل الاجتماعي القهري"؛ أنشأ الطلاب مجموعة على "واتساب" باسم «فقير الفصل» لممارسة التنمر الإلكتروني ضده عبر السخرية من مقتنياته.
الطفل الذي كان شغوفاً بالعلم انطفأ تماماً، وبدأ يعاني من نوبات تبول لا إرادي وانهيار عصبي حاد، مما اضطر أهله لسحبه من المدرسة تماماً بعدما تحولت المدرسة إلى ساحة تعذيب نفسي.
◄ شهيدة التنمر الالكتروني
حكاية بسمة لم تكن مجرد تنمر، بل كانت «اغتيالاً معنوياً وجسديا ونفسياً» استخدم فيه المتنمرون أحدث وسائل التكنولوجيا لهدم جدار الحياء لدى مراهقة في مقتبل العمر.
اقرأ ايضا| بعد انتشاره.. كيف تحمي طفلك من التنمر الرقمي؟
استغل المتنمرون الفوتوشوب لتركيب وجه بسمة على صور خادشة للحياء، وقاموا بنشرها وتداولها في قرية صغيرة لا ترحم، مع توجيه عبارات تشكك في أخلاقها.
المأساة الحقيقية لم تكن في الصور فقط، بل في تنمر المجتمع عليها بدلاً من احتوائها؛ حيث واجهت نظرات الاتهام والسخرية حتى من أقرب الناس. فلم تتحمل بسمة ثقل الظلم، وقررت إنهاء حياتها تاركة رسالة وداع أبكت القلوب، قائلة: "يا ماما أنا مش البنت دي.. دي صور متركبة والله"، لتصبح شهيدة التنمر الإلكتروني.
◄ حين يتحول «الهزار» إلى عاهة مستديمة
في إحدى القرى الريفية، تحول «لعب عيال» إلى مأساة غيرت مجرى حياة طفل، حيث اعتادت مجموعة من الطلاب التنمر البدني على زميل لهم بسبب قصر قامته، وكانوا يمارسون عليه ألعاباً قتالية قاسية في غياب المعلمين.
وفي لحظة تنمر جماعي، قام أحدهم بضربه بقطعة خشبية على عينه وسط تشجيع البقية وسخريتهم، مما أصيب الطفل بانفصال في الشبكية وفقدان تام للإبصار في إحدى عينيه. المفجع أن الطفل كان يشكو للأخصائي الاجتماعي يومياً من مضايقاتهم، وكان الرد دائماً: "معلش دول بيهزروا معاك.. خليك راجل".
الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي، وضع يده على الجرح الغائر في جسد المجتمع، مؤكداً أن التنمر ليس مجرد سلوك فردي بل هو انعكاس لخلل بنيوي. مشيرًا إلى أن المجتمع يعاني من "تأليه القوة"، حيث تروج الدراما والسينما لشخصية "البلطجي" كبطل، مما يجعل الطفل يرى في التنمر وسيلة لإثبات الذات والسيطرة، حيث أن الطفل المتنمر هو في الحقيقة ضحية لثقافة تمجد العنف، فهو يمارس في المدرسة ما يراه في الشارع والشاشة".
◄ تحول التعليم إلى سلعة
ويضيف صادق أن المدارس الخاصة والدولية أصبحت ساحات لـ التنمر المادي، حيث تحول التعليم إلى سلعة، وأصبح الطلاب يقيمون بعضهم بناءً على ماركة الحذاء أو نوع الهاتف، وهذا النوع من التنمر الاستعلائي يدمر الانتماء الوطني ويخلق جيلاً من الحاقدين أو المنكسرين نفسياً".
يؤكد استاذ علم الاجتماع السياسي، أن الأهل غالباً ما يشجعون أبناءهم على أخذ حقهم باليد، وهو ما يشرعن التنمر البدني داخل أروقة المدارس تحت مسمى "الرجولة" أو "الدفاع عن النفس".
فجّر الدكتور محمد عبد العزيز، أستاذ العلوم التربوية، مفاجآت حول تقصير المؤسسات التعليمية في مواجهة التنمر. موضحًا أن «غسيل السمعة» هو الهم الأول للمدارس، فعندما تقع واقعة تنمر وحشية، تسعى الإدارة لتمويع القضية ووصفها بأنها (هزار ثقيل) لتجنب الملاحقة القضائية أو تشويه اسم المدرسة، وهذا بحد ذاته جريمة تربوية تمنح المتنمر ضوءاً أخضر للاستمرار.
وينتقد عبد العزيز، دور الأخصائيين في المدارس، واصفاً إياهم بأنهم «موظفون إداريون» لا علاقة لهم برصد سلوكيات التنمر، فالأخصائي الناجح يجب أن يكون بين الطلاب في الفسحة وفي ممرات المدرسة، لا خلف مكتب مغلق. محذراً من أن التنمر الإلكتروني هو الأخطر حالياً، لأنه يلاحق الضحية في غرفته، المدرسة تقول (هذا حدث خارج الدوام)، والأهل يقولون (لا نفهم في التكنولوجيا)، والضحية تضيع في المنتصف بين تجاهل المدرسة وعجز الأسرة".
◄ عقوبة التنمر
وفي ذات السياق، أكد صبري عثمان مدير نجدة الطفل، أن القانون المصري لم يعد يقف مكتوف الأيدي أمام المتنمرين، فقانون العقوبات (المادة 309 مكرر ب) أدخل تعريفاً صريحاً لجريمة التنمر، وهي كل استعراض قوة أو سيطرة للجاني، أو استغلال لضعف للمجني عليه. "العقوبة تصل للحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة تصل لـ 30 ألف جنيه، وتتضاعف إذا كان التنمر من شخص له سلطة على الطفل أو إذا وقع من شخصين فأكثر".
ويشدد عثمان، على أن مدير المدرسة قد يقع تحت طائلة القانون بتهمة "الإهمال الجسيم" إذا ثبت علمه بواقعة تنمر ولم يتخذ إجراءً قانونياً فورياً. "نحن في خط نجدة الطفل (16000) نتلقى البلاغات ونتحرك فوراً بالتنسيق مع النيابة العامة لانتزاع حق الطفل".
اقرأ ايضا| نصائح هامة لمكافحة التنمر الرقمي بين عشاق الألعاب
وفي رسالة للآباء قائلا "لا تترددوا في إبلاغنا، التنمر جريمة، والصمت عنها هو اشتراك فيها، نحن نوفر الدعم النفسي والقانوني السري للضحايا لإعادة دمجهم في المجتمع".
برؤية تحليلية، كشف الدكتور علاء رجب استشاري الصحة النفسية، سيكولوجية "طرفي المعادلة" (المتنمر والضحية، مؤكدًا أن الطفل المتنمر ليس شريراً بالفطرة، بل هو غالباً ما يمارس في المدرسة ما يُمارس عليه في منزله من عنف أو تهميش، و هو يبحث عن «سيطرة تعويضية» ليشعر بالقوة التي يفتقدها أمام والديه.
وحذر من أن أثر التنمر يتحول إلى هوية تلازم الضحية؛ حيث يبدأ الطفل بتصديق أنه أقل أو مستضعف، مما يدفعه للعزلة أو الانحراف السلوكي أو حتى الانتحار في المراهقة إذا لم يتم التدخل النفسي لترميم تقديره لذاته.، فالتنمر قد يكون صامتاً (نظرات، عزل اجتماعي)، وهو لا يقل خطورة عن الضرب البدني.
◄ هوس الأطفال بالتريند
وفي ذات السياق، يضع الدكتور محمد محسن رمضان مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية، يده على "تغول التكنولوجيا" في حياة أطفالنا. موضحا أن منصات التواصل الاجتماعي ترفع من رواج الفيديوهات التي تحتوي على "تحديات عنيفة" أو سخرية، مما يشجع الأطفال على التنمر "ليصبحوا تريند" ويحصدوا التفاعل الرقمي.
ويشدد على ضرورة تعليم الأطفال أن أول رد فعل تجاه التنمر الإلكتروني هو (Screen Shot)، هذا التوثيق هو الدليل القانوني الوحيد؛ لأن المسح الفوري يمنح الجاني فرصة للإفلات، موضحا أن مباحث الإنترنت قادرة على الوصول لصاحب الحساب الوهمي عبر بصمته الرقمية، مهما حاول التخفي.
وأكد مصدر أمني، أنه لا يوجد في الدفاتر الشرطية مسمى "محضر تنمر طفل"؛ فالبلاغات تُحرر وفقاً لقانون العقوبات كـ (سب وقذف، تعدي بالضرب، أو بلاغات إلكترونية).
وأوضح أن المحضر لا يُكتب فيه "تنمر" دائماً، بل يُحرر كمشاجرة أو تعدي، مما يشتت الإحصاء الفعلي لظاهرة التنمر كفعل مستقل، ويجعل القضايا تندرج ضمن "إجمالي قضايا الجنح". لافتا إلى أن التنمر في المدارس الدولية غالباً ما يكون "تنمر طبقي".